كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطة لإنشاء احتياطي استراتيجي من المعادن الحيوية بقيمة تقارب 12 مليار دولار، في مسعى واضح لتحصين الاقتصاد الأمريكي ضد أي ضغوط أو نقص محتمل في المواد الخام الأساسية للصناعات الحديثة.
وبحسب صحيفة «الجارديان» البريطانية، تأتي هذه الخطوة في توقيت حساس، مع استمرار التوترات التجارية بين واشنطن وبكين، وبعد تجارب سابقة أظهرت كيف يمكن للمعادن النادرة أن تتحول إلى أداة ضغط جيوسياسية مؤثرة، تهدد قطاعات حيوية مثل السيارات الكهربائية، والطيران، والدفاع، والتكنولوجيا المتقدمة.
مشروع "Vault".. مخزون استراتيجي لمواجهة الأزمات
وخلال إعلان رسمي من البيت الأبيض، قال ترامب: "نطلق اليوم ما سيُعرف باسم مشروع Vault، لضمان عدم تضرر الشركات والعمال الأمريكيين من أي نقص في المعادن الحيوية".
وشبه الرئيس الأمريكي المشروع الجديد بالاحتياطي البترولي الاستراتيجي، الذي أُنشئ في سبعينيات القرن الماضي عقب الحظر النفطي ببعض الدول، عندما واجهت الولايات المتحدة نقصًا حادًا في إمدادات الطاقة، ما أدى إلى اضطرابات اقتصادية واسعة.
تمويل ضخم وشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص
ووفق الخطة المعلنة، سيتم تمويل المشروع في مرحلته الأولى من خلال قرض بقيمة 10 مليارات دولار من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي، إلى جانب نحو 1.67 مليار دولار من رؤوس أموال خاصة.
وستُستخدم هذه الأموال لإنشاء مخزون طويل الأمد من المعادن الحيوية، بهدف حماية الصناعات الأمريكية ــ وعلى رأسها السيارات والإلكترونيات والرقائق التكنولوجية ــ من أي اضطرابات مفاجئة في سلاسل التوريد العالمية.
11 دولة جديدة على خط المبادرة
من جانبه، أعلن وزير الداخلية الأمريكي دوج بورجوم أن الإدارة الأمريكية ستكشف في وقت لاحق من هذا الأسبوع عن انضمام 11 دولة إضافية إلى المبادرة، في إطار توسيع نطاق التعاون الدولي لتأمين المعادن الحيوية.
ومن المتوقع أن يشمل هذا التعاون تنسيقًا في مجالات التعدين، والمعالجة، والتخزين، والنقل، بما يقلل من الاعتماد على مصدر واحد، ويعزز مرونة سلاسل الإمداد العالمية.
الصين في قلب الحسابات الأمريكية
وتأتي هذه الخطوة على خلفية تحركات صينية سابقة أثارت قلق واشنطن، حيث قامت بكين، خلال جولة المحادثات التجارية العام الماضي التي فجرتها الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، بتقييد صادرات عدد من العناصر الأرضية النادرة.
وتُستخدم هذه المعادن في صناعات حساسة، من بينها محركات الطائرات النفاثة، وأنظمة الرادار، والمركبات الكهربائية، وأجهزة الكمبيوتر المحمولة، والهواتف الذكية.
وقال ترامب، في إشارة مباشرة إلى تلك المواجهة: "لا نريد أن نمر بما مررنا به قبل عام"، مضيفًا أن الأزمة "انتهت على خير في نهاية المطاف"، لكنه شدد على ضرورة الاستعداد لتكرار مثل هذه السيناريوهات.
هيمنة صينية شبه كاملة على السوق
وتسيطر الصين حاليًا على نحو 70% من مناجم العناصر الأرضية النادرة عالميًا، إضافة إلى 90% من عمليات معالجتها، ما يمنحها نفوذًا واسعًا في هذا القطاع الاستراتيجي.
ودفعت هذه السيطرة، الولايات المتحدة، خلال السنوات الأخيرة، إلى تكثيف جهودها للبحث عن مصادر بديلة، سواء داخل أراضيها أو عبر شراكات دولية، إلى جانب بناء مخزون استراتيجي شبيه بالاحتياطي النفطي الوطني.
اجتماع وزاري مرتقب واتفاقيات جديدة
ومن المنتظر أن يشكل مشروع الاحتياطي المعدني المحور الرئيسي لاجتماع وزاري رفيع المستوى حول المعادن الحيوية، يستضيفه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في وزارة الخارجية يوم الأربعاء المقبل.
وسيُلقي نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس كلمة رئيسية خلال الاجتماع، الذي سيحضره مسؤولون من عشرات الدول الأوروبية والأفريقية والآسيوية، في مؤشر على اتساع نطاق الاهتمام الدولي بهذا الملف.
كما يُتوقع أن يشهد الاجتماع توقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية، تهدف إلى تحسين وتنسيق الخدمات اللوجستية المرتبطة بسلاسل توريد المعادن الحيوية.
الخارجية الأمريكية: خلق زخم دولي للتعاون
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية، في بيان رسمي، إن هذا التجمع "سيخلق زخمًا حقيقيًا للتعاون الدولي"، ويعزز قدرة الدول المشاركة على تأمين وصول مستقر وآمن إلى العناصر الأرضية النادرة، بعيدًا عن التقلبات السياسية أو الضغوط الاقتصادية.
وسيُمول القرض المدعوم حكوميًا الاحتياطي المعدني لمدة تصل إلى 15 عامًا، في إطار رؤية طويلة المدى لتأمين احتياجات الصناعات الأمريكية.
وسبق لـ الحكومة الأمريكية أن استحوذت على حصص في شركة تعدين العناصر الأرضية النادرة MP Materials، كما قدمت دعمًا ماليًا لشركتي Vulcan Elements وUSA Rare Earth، في محاولة لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج.
إعلان رسمي بحضور عمالقة الصناعة
وجاء إعلان ترامب عن المشروع بحضور الرئيسة التنفيذية لشركة جنرال موتورز، ماري بارا، والملياردير روبرت فريدلاند، أحد أبرز رجال صناعة التعدين، إلى جانب عدد من أعضاء الإدارة الأمريكية وقادة من الكونجرس.
ويعكس هذا الحضور الرسالة التي تسعى الإدارة الأمريكية لتوجيهها، بأن مشروع الاحتياطي المعدني يعتبر ركيزة أساسية لشراكة أوسع بين الدولة والقطاع الخاص في مواجهة التحديات الاقتصادية والجيوسياسية المقبلة.
ويمثل مشروع "Vault" تحركًا استراتيجيًا أمريكيًا لإعادة رسم خريطة النفوذ في سوق المعادن الحيوية، في ظل اتجاه العالم نحو الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة، حيث لم تعد السيطرة على النفط وحدها كافية، وأصبحت المعادن النادرة سلاحًا اقتصاديًا لا يقل تأثيرًا...

الولايات المتحدة تُعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق نار
مجلس النواب الأمريكي يدعم قرارًا يحد من صلاحيات ترامب بشأن حرب إيران
أمير قطر وترامب يبحثان خفض التصعيد وأمن الملاحة في الشرق الأوسط







